Tuesday, February 06, 2007

قفزات

قصة: صموئيل بيكيت

-1-
في ليلة جالساً عند طاولته ورأسه بين يديه رأى نفسه ينهض ويغادر. ليل أو نهار. فنوره إذا ما نطفأ لن يظل هو مع ذلك في الظلام. حينئذ يصله من النافذة الوحيدة العالية ما يشبه النور. تحت هذه الأخيرة لأنه ما عاد لا قادرا ولا رغباً وضع مقعداً صغيراً وصعد ليرى السماء. إذا كان لم ينحن خارجاً لكي يرى ما الذي يحدث تحت فذلك لربما لأن النافذة لم تكن قد صُنعت لكي تُفتح أو لأنه لم يقدر ولم يرغب بفتحها. لربما يعرف جيداً كيف تجري الأمور تحت ولم يعد راغباً في رؤيتها. إلى حد ظل واقفاً ببساطة هناك من فوق الأرض البعيدة للنظر عبر الزجاج المُضبب لسماء خالية من الغيوم. ضوء ضعيف لا مثيل له ولا يتيغير في ذكرياته عن الليل والنهار للأزمنة الماضية حيث كان الليل يقدم بوقته الدقيق ليحل محل النهار والنهار محل الليل. نور وحيد إذن الآن مُنطفأً ضؤه ذلك الذي كان يصله من الخارج ظل يصله إلاّ أن إنطفأ وتركه في الظلام.
في ليلة إذن أو في نهار جالساً عند طاولته رآى نفسه ينهض ويغادر. في البدء نهض من دون الإستناد على الطاولة. ومن ثم عاود الجلوس. من بعدها قام ثانية مرتكزاً على الطاولة من جديد. ثم الرحيل. بدء بالرحيل. بخطوات جد بطيئة لا يشهد عليها سوى تغييره للمكان. ربما مثلما كان يختفي ليعاود الظهور فيما بعد من جديد في مكان جديد. ومن ثم الإختفاء ثانية حتى وقت ظهوره فيما بعد من جديد في مكان جديد. هكذا كان يختفي الزمن في كل مرة ليعاود فيما بعد ظهوره الجديد في مكان جديد. مكان جديد في حيز حيث يجلس عند طاولته ورأسه فوق يديه. نفس الحيز ونفس الطاولة حينما ماتت دارلي وخلفته. مثلما فعل غيرها، بدورهم، من قبلها وبعدها. أو مثلما فعل ذلك هو، بدوره. رأسه فوق يديه نصف راغباً ونصف متشككاً في كل مرة يغيب فيها ثانية ليعاود الحضور فيما بعد. أو يتساءل عنه وحسب. أو ينتظر ببساطة. ينتظر لكي يري نعم أو لا. إذا كان نعم أو لا من جديد لوحده في إنتظار لاشيء من جديد.
مرئي دائماً من الخلف حيثما ذهبَ. نفس الشفقة ونفس المعطف كما كان في زمن التيه. داخل البلد. الآن واحد في مجال مجهول يبحث عن مخرج. في الدياجير. بتلمس داخل دياجير النهار أو الليل في مجال غريب للبحث عن المخرج. عن مخرج. نحو تيهان الماضي. داخل البلد
ساعة حائطية بعيدة دقة الساعة والنصف. نفس الساعة في ذلك الزمن الذي ماتت فيه دارلي ما بين آخرين وتركته. ضربات تارة واضحة وكأنها محمولة بالريح وتارة بالكاد في وقت هادىء. صرخات أيضاً تارة واضحة وتارة بالكاد. رأسه بين يديه نصف راغباً نصف متشككاً عندما دقت الساعة ولم تدق النصف. كذلك كما كانت تدق النصف. مثلما توقفت الصرخات للحظات. أو ببساطة تساءل مع نفسه. منتظركي يسمع.
ثمة زمن حيث كان يرفع رأسه كفاية من حين إلى آخر حتى يرى يديه. ففيهما كان هناك ما يمكن رؤيته. واحدة مبسوطة على الطاولة ومن فوقها الأخرى مسطحة. تستريحان بعد كل ما قامتا به. رفع رأسه المشتعل ليرى يديه المشتعلتين. ومن ثم أسنده عليهما ليرتاح هو الآخر. بعد أن قام بكل ما عمله.
نفس المجال الذي ينطلق منه كل يوم للذهاب نحو التيه. داخل البلد. حيث يعود كل ليلة للقيام بالذهاب والمجيء في الظل العابر لليل. الآن وكأنه غريب على ذلك الذي كان يُرى ينهض ويغادر. غياب جديد ومعاودة ظهور جديدة في مكان جديد مرة أخرى. أو في نفس المكان. لا علامة ولا حتى العلامة ذاتها. لا جدار ال كما عندما قام بذهابه ومجيئه في كل ماكن وكأنه واحد. أو في غيره. حيث إلى الأبد. ينهض ويرحل في ذات المكان دائماً. غياب وحضور في مكان واحد آخر أو نهائياً. لا علامة ولا غيرها حيث الأبد. الضربات وحسب. الصرخات. كتلك التي هي ذاتها دائماً.
ثم العديد من الضربات والصرخات دون ظهوره وقد لا يظهر. ثم العديد من الصراخات منذ الضربات الأخيرة إذ قد لا يكون هناك بعد سواها. ثم صمتٌ عظيم منذ الصرخات الأخيرة إلى حد لن يكون مثلها بعد حتى. تلك ربما هي النهاية. أو قد لا تكون سوى هدأة. ثم يعود كل شيء كالسابق. الضربات والصرخات كالسابق وهو كالسابق تارة هناك مغادراً تارة هناك من جديد وتارة من جديد مغادراً. ثم من جديد كالسابق. هكذا دواليك وهكذا دواليك. وصبراً على إنتظار الحقيقة الوحيدة للساعات والألم ولذاته وللآخر أي نفسه.

2 –
كواحد رأسه بكامله في الخارج في النهاية لا يعرف كيف أنه لم يجد نفسه هناك إلاّ منذ قليل قبل أن يتساءل إذا ما كان يمتلك كل رأسه. لأنه عن شخص لا يتمتع بكل رأسه هل يمكننا منطقياً التأكيد بأنه يتساءل عن ذلك تحت عاقبة اللاتماسك بشراسه على هذا العمل الصعب بما بقي له من عقل؟ كان إذن من نوع تلك الكائنات العاقلة، نوع ما عندما بزغ في النهاية لا يعرف كيف وجد نفسه في العالم الذي لم يعيش فيه أكثر من ست إلى سبع دقات ساعة جدار قبل أن يتساءل إذا ما كان يتمتع بكل رأسه. نفس الساعة الحائطية التي لم تكف في غضون إنسحابه عن دق الساعة ودق نصفها في البداية بغية تطمينه قبل أن تغدو في الأخير مصدراً لقلقه بإعتبارها أقل وضوحاً حالياً عنها من أخمادها من حيث المبدء من قبل الجدران الأربعة. ثم حاول البحث عن راحة حالماً مثل ذلك الذي يجد نفسه في المساء يهرع نحو الغروب بغية الحصول على رؤية أفضل لفينوس ثم لا يجد هناك أي شيء. من الصوت الوحيد لتنشيط عزلته صوت الصرخات أثناء بلوغه الألم الفائق وهو يصر على البقاء عند طاولته رأسه بين يديه كما كان هو الحال. من نقطة قدوم الضربات والصرخات الحال ذاته فيما يتعلق بإستحالة أصلاحها في الهواء الطلق أو كما هو عادي إنطلاقاً من الداخل. بستشراسه فوق كل ذلك بما بقي له من عقل كان يبحث عن راحة حالماً بأن ذكرياته الداخلية قد تترك ما يمكن إشتهائه ولم يجد أي شيء هناك. مُضافة إلى حيرته مشيته الصامتة مثلما كان يذرع والقدمين حافيتين أرض غرفته. هكذا فكل سماع من سيء إلى أسوء لحد سكوته أو الإصغاء للسماع ثم الشروع بالتلفت من حوله. نتيجة في النهاية بأنه كان في حقل وذلك ما كان له على الأقل فضل شرح مشيته الصامتة قبل قليل فيما بعد وكأنه أشترى نفسه ثانية بغية مضاعفة إضطرابه. لأنه لم تكن لديه أقل ذكريات عن حقل للقلب حتى حيث لا حدود مرئية ولكن حيث دائماً في مكان ما نهاية كسياج أو غيره من الثوابت التي لا ينبغي تخطيها. الأنكى من ذلك بنظره عن قرب لم تكن نفس العشبة التي كان يعتقد تذكرها أي مخضرة وممضوغةً تماماً من قبل المواشي لكنها طويلة ولونها رمادي وحتى أبيض من بعض الجوانب. بعد ذلك بحث عن راحة حالماً بأن ذكرياته تترك ما يمكن إشتهائه ولم يجد أي شيء هناك. هكذا كل عين من سيء إلى أسوء حتى التوقف وإلاّ رؤيته يتلفت من حوله أو عن قرب أكبر ويشرع بالتفكير. من أجل هذه الغاية ولفقدان حجرة يتكأ عليها على طريقة والتر ويعقف قدميه لم يجد أفضل من أن يجمد واقفاً في المكان وهذا ما قام به بعد قليل من التردد وبطبيعة الحال إحناء رأسه على صورة ذلك الغاطس في أفكاره وذلك ما قام به أيضاً بعد قليل من التردد. لكن لضجرة بسرعة من تفتيشه عبثاً في تلك الحطامات عاود مشيته عبر الأعشاب الطويلة الذابلة مصمماً على تجاهل أين كان أو كيف أنه جاء أو إلى أين هو ذهاب أو كيفية الرجوع هناك حيث كان يجهل كيف غادر. جاهل تماماً والأنكى من هذا من دون أية رغبة بالمعرفة ولا لقول الحقيقة أية واحدة من أي نوع وبالتالي من دون ندامات الاّ إذا كان يرغب بتوقف الضربات والصراخات نهائياً وندمه على عدم تحقق ذلك. ضربات تارة بالكاد وتارة واضحة وكأنها محمولة بالريح ولكن بلا صفير وصرخات تارة غاية في الوضوح وتارة بالكاد.

-3-
هكذا ذهب قبل أن يجمد من جديد حينما من أعماقه صعدت حتى إذنيه آه بأنه قد يكون وهنا كلمة ضائعة للإنتهاء هناك حيث لم يكن من قبل أبداً. بعد ذلك صمت عميق أو صمت وحسب أو طويل جداً حتى لم يعد ربما أي شيء ومن جديد من إعماقه بالكاد دمدمة آه قد يكون وهنا الكلمات الضائعة للإنتهاء هناك حيث أبداً لم يكن من قبل. على أية حال مهما سيكون عليه الإنتهاء وهكذا دواليك حيث لم يكن سلفاً هناك حتى قد وجد نفسه متجمداً فوق المكان ومعقوفاًً على جزئين وبلا توقف في أذنيه إنطلاقاً من أعماقه بالكاد دمدمة آه أنه قد يكون شيئاً وهكذا دواليك لم يجد نفسه إذا ما صدق عينيه سلفاً هناك حيث لم يكن أبداً من قبل؟ فحتى لو كان أحد غيره قد وجد نفسه مرة في مجال مماثل كيف يمكنه أن لا يرتعش حينما يجد هناك ما لم يقم به وفي إرتجافه بحث عن راحة لنقل حالما بأنه لو عثر على وسيلة للخروج من هناك سيكون حينئذ بمقدوره العثور عليها للخروج ثانية ذلك ما لم يقم بفعله أيضاً؟ هناك إذن طيلة ذلك الوقت حيث لم يكن أبداً من قبل وفي ناحية ما بحث بعينيه عن لا خطورة أو أمل وفقاً لحالة الخروج منه أبداً. هل كان ينبغي إذن وكأن شيء لم يكن مدفوعاً تارة إلى الأمام تارة في تجاه تارة في تجاه آخر أو على العكس عدم التحرك وفقاً للحالة أي وفقاً للكلمة الضائعة تلك التي إذا ما كشفت عن نفسها سلبية كتعيس أو لا مرغوب به على سبيل المثال حينئذ من الواضح بالرغم من كل شيء واحد وفي الحالة المعاكسة حينئذ من الواضح الآخر أي الكف عن الحركة. تلك هي عينة للفوضى في ما يسمى عقله حتى لم يعد أي شيء إنطلاقاً من أعماقه إلاّ بالكاد وبالكاد من بعيد إلى بعيد آه إنتهاء. لا يهم كيف لا يهم أين. زمن وعذاب وذات مزعومة. آه الإنتهاء من كل شيء.
* كتب بيكت هذا النص بالأنكليزية أولاً، ثم قام بترجمته بنفسه إلى الفرنسية
.
Google