
اختير الشيخ سلطان محمد القاسمي حاكم الشارقة لالقاء كلمة 'يوم المسرح العالمي' في احتفال كبير يقام اليوم في باريس يحضره العديد من الشخصيات المسرحية العالمية. وهذا نص الكلمة:المسرح، هذا العالم الساحر، تعرفت عليه عشقا وحبا منذ نعومة اظفاري، عندما انجذبت اليه تأليفا وتمثيلا واخراجا من خلال المراحل الدراسية الاولى. كانت البداية عفوية لم احملها اكثر من كونها نشاطا مدرسيا يغني الروح والعقل، لم ادرك جوهره الحقيقي الا عندما تصديت لتأليف واخراج وتمثيل عمل مسرحي سياسي اغضب السلطة حينها، فقامت بمصادرة كل ما كان في المسرح وتم اغلاقه امام عيني، فما كان من روح المسرح، لدى مشاهدتها العساكر بأسلحتهم، الا ان لجأت واستقرت في الوجدان، حينها ادركت قوة المسرح وجبروته، وبخاصة في مواجهة من لا يتحمل الرأي الآخر، وتيقنت من الدور الخطير الذي من الممكن ان يلعبه المسرح او يقوم به في حياة الشعوب.ثم تجذر هذا الايمان وتعمق في وجداني طوال سنوات دراستي الجامعية في القاهرة، من خلال ما نهلت من كل كتب عن المسرح وما شاهدت من عروض بكل انواعها، كما تعمق هذا الوعي في السنوات اللاحقة من خلال متابعاتي للمسرح الاوروبي بشكل عام، والمسرح الانكليزي خاصة ابان مواصلة دراساتي العليا. ومن خلال قراءاتي في المسرح منذ عهد الاغريق حتى يومنا هذا، ادركت السحر الكامن في عوالم المسرح في سبر اغوار النفس البشرية ومكنوناتها، وفتح المغاليق التي تحتويها، مما رسخ لدي قناعة واسعة بان المسرح بوصفه هذا يشكل عامل توحد انساني يستطيع من خلاله الانسان بأن يغلف العالم بالمحبة والسلام، ويفتح آفاق حوارات بين مختلف الاجناس والاعراق والالوان على اختلاف معتقداتهم الايمانية فكان عاملا مضافا لي في تقبل الآخر على ما هو عليه، وادركت ان الخير يوحد البشر، وان الشر يفرقهم.فاذا كان ناموس المسرح قائما على صراع الخير والشر في جوهريهما فان طبيعة الانسان السوية في الغالب الاعم ميالة ومنحازة الى جانب الخير.الحروب التي حاقت بالبشرية منذ قديم العصور بواعثها مكنونات شريرة لا تقدر الجمال. والجمال المكتمل لا يتوافر في فن من الفنون بقدر ما هو عليه في المسرح، فهو الوعاء الجامع لكل فنون الجمال، ومن لا يتذوق الجمال لا يدرك قيمة الحياة. والمسرح حياة، فما احوجنا اليوم الى نبذ كل انواع الحروب العبثية والاختلافات العقائدية التي تؤجج من دون وازع من ضمير حي، ومشاهد العنف والقتل العشوائي تكاد تغلف المعمورة بأسرها، مصحوبة بهذه الفوارق الشاسعة بين غنى فاحش وفقر مدقع، بين اجزاء من العالم المنكوبة بأوبئة لا تتضافر قوى الخير من اجل القضاء عليها كأمراض الايدز وغيرها من الاوبئة المستوطنة، الى مشكلات التصحر والجفاف في ظل انعدام الحوار الحقيقي مع بعضنا بعضا من اجل العالم الذي نعيش فيه مكانا افضل.يا أهل المسرح، ان عاصفة قد حلت بساحاتنا من شدة ما يثار حولنا من غبار الشك والريبة، حتى كادت تحجب وضوح الرؤية لدينا، واصواتنا لا تصل الى آذان كل منا من كثرة الصراخ والفرقة التي تباعد بين الشعوب، وتكاد العاصفة تطوح بنا لتبعدنا عن بعضنا البعض لولا ايماننا الراسخ بدور المسرح القائم على الحوار اصلا.اذا، لابد لنا من التصدي والتحدي لمن ينفخ في تلك الابواق لاثارة تلك العواصف، ليس لتحطيم هذه الابواق، ولكن للنأي بأنفسنا عن تلك الاجواء الملوثة، وتكريس جهودنا بالتواصل واقامة علاقات المودة مع المنادين بالتآخي بين الشعوب.نحن كبشر زائلون، ويبقى المسرح ما بقيت الحياة.سلطان بن محمد القاسمي





