Wednesday, May 30, 2007

ريتشارد' الكويتي يصل إلى اليونان



بعد النجاح الساحق الذي حققته مسرحية 'ريتشارد الثالث، مأساة عربية' في العاصمة البريطانية ضمن الدورة السنوية لمهرجان شكسبير الذي يجمع كل الأعمال المسرحية الشكسبيرية بمختلف لغاتها لتقدم رؤاها المختلفة أمام الجمهور الإنكليزي، تتجه الآن فرقة سليمان البسام المسرحية إلى العاصمة أثينا لتقديم عروض للمسرحية ذاتها ضمن مهرجان أثينا (مايو) والتي كانت المسرحية العربية الوحيدة المشاركة في مهرجان شكسبير السنوي.
وكعادته يستخدم البسام معرفته الدقيقة بالنص الشكسبيري ليخلق منه جسرا لنقل الواقع العربي الى الآخر بحيث تجد ان العمل 'لكمة عنيفة تضرب الوجدان، رسوم قاسية مدهشة مستوحاة من عالم شكسبير لتعكس عالم صدام، وأساليب الاستخبارات الأميركية' كما وصفته جريدة الغارديان البريطانية. ولا يكتفي البسام بالوقوف محصورا داخل الدائرة السياسية بل يدخل المنظومة العربية بكل أشكالها بالسياق الأدبي الغربي كاختياره للبيئة الكويتية كإطار عام لهذا العمل، فتجد الأبطال يرتدون الدشاديش ترافقهم موسيقى الأصوات والإيقاعات الكويتية التي خصص لها البسام أربعة من الشباب المتخصصين بالتراث الموسيقي الكويتي: أحمد الدبوس، عبد الله المطيري، عبد الله معتوق، سلطان مفتاح.
يقول سليمان البسام: 'يشبه شرقنا الأوسط تراجيديا شكسبيرية تهزنا بصورها الأليمة حول الفوضى السياسية وغياب السلطة المتسقة. يصبح الحكم عندها مزيجا من الامبريالية والإرهاب والاغتيالات السياسية، والفتن المذهبية، والحروب الدموية. في هذه الحلبة السياسية -التي تثير لعاب الناهبين لخيراتها المتعددة- يكثر اللاعبون، وكما في مسرحية ريتشارد، يفقدهم طمعهم البراءة وتلوث أيديهم دماء الخطايا'.



خلطة عربية
كما يعلم متابع مسرح البسام بأنه من المخرجين القادرين على التعامل مع طاقات تمثيلية مختلفة في توجهاتها وقدراتها وأعمارها بما أنه قد عمل مع ممثلين أجانب وعرب في اول أعماله المعروضة على خشبة كويتية 'ذوبان الجليد'، نجد سليمان يجمع بين ممثلين كويتيين وسوريين وعراقيين لتقديم هذه المسرحية على الرغم من اتخاذه للمنظومة الخليجية كخشبة تقع عليها أحداث المسرحية. ولربما نجد لذلك تفسيرا حين نرى ريتشارد الثالث (فايز قزق) على سبيل المثال يرتدي البذلة العسكرية التي ليست بلباس فولكلوري كويتي كإشارة الى عالم عربي كبير يشمل كل هذه الممارسات المعروضة من خلال العمل، والذي يصفه البسام باعتباره ساحة مأخوذة بالصراعات الطائفية والدينية والسياسية تحت سلطة الإرهاب والإمبريالية.



بعيدا عن شكسبير والرشود
من يشاهد هذه المسرحية ومن بعدها يتابع ما كتبته الصحافة البريطانية والأميركية كنقد لا يجد أمامه سوى أن يمدح ويمدح ويمدح. ولم يكن أمام الجامعات الأميركية سوى أن تقرر دراسة مسرح البسام كما صنفته الصحف البريطانية أحد أفضل عشرة مخرجين مسرحيين في العالم مرشحا لجائزة أفضل مخرج شاب على مستوى أوروبا بالإضافة إلى اعتباره 'ماستر' في المسرح السياسي الذي جاب القارات الأربع وحصد جوائز لا تعد ولا تحصى عبر عروضه التي فاقت المائة عرض.
البسام لم يعد صياغة شكسبير، لم يتلاعب به، لم يقم بإعداده بل بالأحرى قام بكتابته بشكل آخر مستقل مختلف بحيث تتحول مأساة ريتشارد الثالث إلى قراءة تاريخية قوية تشمل كل التفاصيل الاجتماعية والفردية والإبداعية للإنسان العربي.
البسام لم يكن شبيها بالراحل صقر الرشود على الرغم من أنه يؤكد تشرفه بهكذا تشبيه، لكنه خارج عن الرشود، لا ينتمي له، بالأحرى تمرد عليه. الرشود أخذ الخلطة الكويتية بشكل خصوصي والعربية بشكل أبوي عبر كوميديا لاذعة ليطرح قضايا شغلت المنطقة بأكملها. لكن ما يقدمه البسام توظيف لمختلف الألوان والفنون الجميلة تحت عباءة المسرح، إنها العلاقة بين الشرق والغرب، الصراع، التصادم، وتداعياته، كيف نكشف عن أوجهنا المهشمة للآخر بكل سوداويتها وخضوعها بحيث يتناسى الجغرافيا الفاصلة وأحكامه المسبقة ليجدك مرتميا في حضنه إلى أن تصبح الذات أمام الآخر مجرد وحدة متسقة. إنه عمل كوني، إنساني، فقط!

ممثلون داخل الدوائر
لكل من أبطال 'ريتشارد الثالث' زاوية ما أو نافذة ما أطل بها على الجمهور، بالأحرى وجه خاص به أو بها. أمل عمران من جهتها، الممثلة المسرحية السورية القديرة وبتعبير أفضل المحترفة أخذت دور الملكة مارغريت، وجهها الأنثوي الشرقي كما وصفه النقاد الإنكليز كان قادرا على نقل كل الحزن الذي تحمله المرأة العربية في ظل السيطرة الذكورية. إنها مارغريت التي بدأت المسرحية بقولها: 'من حقكم أن تتجاهلوني، أنا عن نفسي كنت قد تجاهلت نفسي لو سمح لي تاريخي بذلك، إنني لا أريد قروضكم ومساعدتكم و(إعادة إعمار البنية التحتية) إنني لا أريد تعاطفكم، فلقد خسرنا، كل ما أريده منكم ألا تستغربوا عطشي للانتقام، فذلك لا علاقة له بكوني عربية. لا أدعى مارغريت، هذا ليس باسمي، لكن لا يهم، ففي تاريخنا حتى المنتصر غير اسمه'.
بينما تميز الممثل الكويتي جاسم النبهان بالدورين الاثنين 'كلارنس' وستانلي. ولربما كان ظهور شخصية كلارنس القصير مميزا إذ تجد عفوية الإنسان الكويتي القديم تتلبس الممثل وتحول من صرخاته إلى صرخات أولئك الذين عانوا من قسوة الفقد في كويت البحر، ويبدو أن لذلك إشارة حين ترى النبهان يصور مناداة أخيه لاسمه كما يبدأ 'النهام' الأغنية بمصاحبة موسيقى فلكلورية. هذا وقد عبر النبهان في لقاء تناقلته الصحف البريطانية عن سعادته إذ تعمر نهاية مشواره الفني بالوقوف على مسرح عالمي عريق.
من جهة أخرى، كان مناضل داوود البياتي - الممثل والمخرج العراقي المقيم ما بين السويد ودمشق - يستخدم كعادته حسه الكوميدي بدور 'كتسبي' وقبله بدور قصير جاد وحزين 'الملك إدوارد'، مما يجعلك ترى الممثل في ثنائية عجيبة متنافرة تماما.
Google